فصل: تفسير الآية رقم (76):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرآن العظيم (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (75):

{قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75)}.
يقول تعالى: {قُلْ} يا محمد، لهؤلاء المشركين بربهم المدعين، أنهم على الحق وأنكم على الباطل: {مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ} أي: منا ومنكم، {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} أي: فأمهله الرحمن فيما هو فيه، حتى يلقى ربه وينقضي أجله، {إِمَّا الْعَذَابَ} يصيبه، {وَإِمَّا السَّاعَةَ} بغتة تأتيه، {فَسَيَعْلَمُونَ} حينئذ {مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا} أي: في مقابلة ما احتجوا به من خيرية المقام وحسن الندي.
قال مجاهد في قوله: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} فليدعه الله في طغيانه. هكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير، رحمه الله.
وهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم على هدى فيما هم فيه، كما ذكر تعالى مباهلة اليهود في قوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الجمعة: 6] أي: ادعوا على المبطل منا ومنكم بالموت إن كنتم تدعون أنكم على الحق، فإنه لا يضركم الدعاء، فنكلوا عن ذلك، وقد تقدم تقرير ذلك في سورة البقرة مبسوطا، ولله الحمد. وكما ذكر تعالى المباهلة مع النصارى في سورة آل عمران حين صمموا على الكفر، واستمروا على الطغيان والغلو في دعواهم أن عيسى ولد الله، وقد ذكر الله حُجَجه وبراهينه على عبودية عيسى، وأنه مخلوق كآدم، قال بعد ذلك: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61] فنكلوا أيضًا عن ذلك.

.تفسير الآية رقم (76):

{وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76)}.
لما ذكر الله تعالى إمداد من هو في الضلالة فيما هو فيه وزيادته على ما هو عليه، أخبر بزيادة المهتدين هُدى كما قال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنزلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 124، 125].
وقوله: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ} قد تقدم تفسيرها، والكلام عليها، وإيراد الأحاديث المتعلقة بها في سورة الكهف.
{خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا} أي: جزاء {وَخَيْرٌ مَرَدًّا} أي: عاقبة ومردا على صاحبها.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا عمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فأخذ عودًا يابسًا فَحَطَّ ورقة ثم قال: «إن قول: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، تحط الخطايا كما تحط ورق هذه الشجرة الريح، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة» قال أبو سلمة: فكان أبو الدرداء إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهللنّ الله، ولأكبرن الله، ولأسبحن الله، حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون.
وهذا ظاهره أنه مرسل، ولكن قد يكون من رواية أبي سلمة، عن أبي الدرداء، والله أعلم.
وهكذا وقع في سنن ابن ماجه، من حديث أبي معاوية، عن عُمر بن راشد، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي الدرداء، فذكر نحوه.

.تفسير الآيات (77- 80):

{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78) كَلا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80)}.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن خباب بن الأرت قال: كنت رجلا قينًا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه. فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تموت ثم تبعث. قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد، فأعطيتك، فأنزل الله: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا} إلى قوله: {وَيَأْتِينَا فَرْدًا}.
أخرجه صاحبا الصحيح وغيرهما، من غير وجه، عن الأعمش به، وفي لفظ البخاري: كنت قينًا بمكة، فعملت للعاص بن وائل سيفًا، فجئت أتقاضاه. فذكر الحديث وقال: {أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} قال: موثقًا.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق قال: قال خَبَّاب بن الأرت، كنت قينًا بمكة، فكنت أعمل للعاص بن وائل، قال: فاجتمعت لي عليه دراهم، فجئت لأتقاضاه، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث. قال: فإذا بعثت كان لي مال وولد. قال: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا} إلى قوله: {وَيَأْتِينَا فَرْدًا}.
وقال العَوْفِيّ عن ابن عباس: إن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يطلبون العاص بن وائل السهمي بدين، فأتوه يتقاضونه، فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهبًا وفضة وحريرًا، ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى. قال: فإن موعدكم الآخرة، فوالله لأوتين مالا وولدًا، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به. فضرب الله مثله في القرآن فقال {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا} إلى قوله: {وَيَأْتِينَا فَرْدًا}
وهكذا قال مجاهد، وقتادة، وغيرهم: إنها نزلت في العاص بن وائل.
وقوله: {لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا} قرأ بعضهم بفتح الواو من ولدا وقرأ آخرون بضمها، وهو بمعناه، قال رؤبة:
الحمْدُ للهِ العزيز فَرْدًا ** لَمْ يتخذ مِنْ وُلْد شيء وُلْدا

وقال الحارث بن حلزة:
وَلَقَد رأيتُ معَاشرًا ** قد تمرُوا مالا وَولْدا

وقال الشاعر:
فَلَيت فُلانًا كانَ في بَطْن أمه ** وَليتَ فُلانًا كان وُلْد حِمَار

وقيل: إن الوُلْد بالضم جمع، والوَلَد بالفتح مفرد، وهي لغة قيس، والله أعلم.
وقوله: {أَطَّلَعَ الْغَيْبَ}: إنكار على هذا القائل، {لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا} يعني: يوم القيامة، أي: أعلم ما له في الآخرة حتى تَألى وحلف على ذلك، {أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا}: أم له عند الله عهد سيؤتيه ذلك؟ وقد تقدم عند البخاري: أنه الموثق.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: {أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} قال: لا إله إلا الله، فيرجو بها.
وقال محمد بن كعب القرظي: {أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} قال: شهادة أن لا إله إلا الله، ثم قرأ: {أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا}.
وقوله: {كَلا}: هي حرف رَدْع لما قبلها وتأكيد لما بعدها، {سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ} أي: من طلبه ذلك وحُكْمه لنفسه بما تمناه، وكفره بالله العظيم {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا} أي: في الدار الآخرة، على قوله ذلك، وكفره بالله في الدنيا.
{وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} أي: من مال وولد، نسلبه منه، عكس ما قال: إنه يُؤْتى في الدار الآخرة مالا وولدا، زيادة على الذي له في الدنيا؛ بل في الآخرة يُسلَب من الذي كان له في الدنيا، ولهذا قال: {وَيَأْتِينَا فَرْدًا} أي: من المال والولد.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ}، قال: نرثه.
وقال مجاهد: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ}: ماله وولده، وذلك الذي قال العاص بن وائل.
وقال عبد الرزاق، عن مُعْمَر، عن قتادة: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} قال: ما عنده، وهو قوله: {لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا} وفي حرف ابن مسعود: {ونرثه ما عنده}.
وقال قتادة: {وَيَأْتِينَا فَرْدًا}: لا مال له، ولا ولد.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ} قال: ما جمع من الدنيا، وما عمل فيها، قال: {وَيَأْتِينَا فَرْدًا} قال: فردًا من ذلك، لا يتبعه قليل ولا كثير.

.تفسير الآيات (81- 84):

{وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84)}.
يخبر تعالى عن الكفار المشركين بربهم: أنهم اتخذوا من دونه آلهة، لتكون تلك الآلهة {عِزًّا} يعتزون بها ويستنصرونها.
ثم أخبر أنه ليس الأمر كما زعموا، ولا يكون ما طمعوا، فقال: {كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ} أي: يوم القيامة {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} أي: بخلاف ما ظنوا فيهم، كما قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (3)} [الأحقاف: 5، 6]
وقرأ أبو نَهِيك: {كلّ سيكفرون بعبادتهم}.
وقال السدي: {كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ} أي: بعبادة الأوثان. وقوله: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} أي: بخلاف ما رَجَوا منهم.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} قال: أعوانًا.
قال مجاهد: عونًا عليهم، تُخَاصِمُهم وتُكَذّبهم.
وقال العوفي، عن ابن عباس: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} قال: قرناء.
وقال قتادة: قرناء في النار، يلعن بعضهم بعضًا، ويكفر بعضهم ببعض.
وقال السدي: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} قال: الخصماء الأشداء في الخصومة.
وقال الضحاك: {وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} قال: أعداء.
وقال ابن زيد: الضد: البلاء.
وقال عكرمة: الضد: الحسرة.
وقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: تغويهم إغواء.
وقال العوفي عنه: تحرضهم على محمد وأصحابه.
وقال مجاهد: تُشليهم إشلاء.
وقال قتادة: تزعجهم إزعاجا إلى معاصي الله.
وقال سفيان الثوري: تغريهم إغراء وتستعجلهم استعجالا.
وقال السدي: تطغيهم طغيانا.
وقال عبد الرحمن بن زيد: هذا كقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36].
وقوله: {فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا} أي: لا تعجل يا محمد على هؤلاء في وقوع العذاب بهم، {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا} أي: إنما نؤخرهم لأجل معدود مضبوط، وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله ونكاله، {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ} [إبراهيم: 42]، {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} [الطارق: 17] {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} [آل عمران: 178]، {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} [لقمان: 24]، {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [إبراهيم: 30].
قال السدي: {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا} السنين، والشهور، والأيام، والساعات.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا} قال: نعد أنفاسهم في الدنيا.

.تفسير الآيات (85- 87):

{يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87)}.
يخبر تعالى عن أوليائه المتقين، الذين خافوه في الدار الدنيا واتبعوا رسله وصدقوهم فيما أخبروهم، وأطاعوهم فيما أمروهم به، وانتهوا عما عنه زجروهم: أنه يحشرهم يوم القيامة وفدًا إليه. والوفد: هم القادمون ركبانًا، ومنه الوفود وركوبهم على نجائب من نور، من مراكب الدار الآخرة، وهم قادمون على خير موفود إليه، إلى دار كرامته ورضوانه. وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم، فإنهم يساقون عنفا إلى النار، {وِرْدًا} عطاشًا، قاله عطاء، وابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد. وهاهنا يقال: {أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [مريم: 73].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن خالد، عن عمرو بن قيس الملائي، عن ابن مرزوق: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} قال: يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها، وأطيبها ريحًا، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله قد طيب ريحك وحسن وجهك. فيقول: أنا عملك الصالح، وهكذا كنت في الدنيا، حسن العمل طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلم اركبني، فيركبه. فذلك قوله: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا}.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} قال: ركبانًا.
وقال ابن جرير: حدثني ابن المثنى، حدثنا ابن مهدي، عن شعبة، عن إسماعيل، عن رجل، عن أبي هريرة: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} قال: على الإبل.
وقال ابن جُريج: على النجائب.
وقال الثوري: على الإبل النوق.
وقال قتادة: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} قال: إلى الجنة.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثنا سُوَيْد بن سعيد، أخبرنا علي بن مُسْهِر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، حدثنا النعمان بن سعد قال: كنا جلوسًا عند عليّ، رضي الله عنه، فقرأ هذه الآية: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} قال: لا والله ما على أرجلهم يحشرون، ولا يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة.
وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، من حديث عبد الرحمن بن إسحاق المدني، به. وزاد: عليها رحائل الذهب، وأزمتها الزبرجد والباقي مثله.
وروى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا غريبًا جدًّا مرفوعًا، عن علي فقال:
حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا مسلمة بن جعفر البَجَلي، سمعت أبا معاذ البصري قال: إن عليا كان ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ هذه الآية: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} فقال: ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون- أو: يؤتون- بنوق بيض لها أجنحة، وعليها رحال الذهب، شُرُك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان، فيشربون من إحداهما، فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبدًا، وتجري عليهم نضرة النعيم، فينتهون أو: فيأتون باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب، فيضربون بالحلقة على الصفيحة فيسمع لها طنين يا علي، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتبعث قيمها فيفتح له، فإذا رآه خرّ له- قال مسلمة أراه قال: ساجدًا- فيقول: ارفع رأسك، فإنما أنا قيمك، وكلت بأمرك. فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه، ثم تقول: أنت- حِبّي، وأنا حبّك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط، وأنا المقيمة التي لا أظعن. فيدخل بيتًا من أسّه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق: أصفر وأحمر وأخضر، ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها. وفي البيت سبعون سريرًا، على كل سرير سبعون حشية، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء الحلل، يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه. الأنهار من تحتهم تطرد، أنهار من ماء غير آسن- قال: صاف لا كَدَر فيه- وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، لم يخرج من ضروع الماشية، وأنهار من خمر لذة للشاربين، لم يعتصرها الرجال بأقدامهم وأنهار من عسل مصفى لم يخرج من بطون النحل، فيستحلي الثمار، فإن شاء أكل قائمًا، وإن شاء قاعدًا، وإن شاء متكئًا، ثم تلا {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا} [الإنسان: 14]، فيشتهي الطعام، فيأتيه طير أبيض، وربما قال: أخضر فترفع أجنحتها، فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء، ثم تطير فتذهب، فيدخل الملك فيقول: سلام عليكم: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف: 72] ولو أن شعرة من شعر الحوراء وقعت لأهل الأرض، لأضاءت الشمس معها سواد في نور».
هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعًا، وقد رويناه في المقدمات من كلام علي، رضي الله عنه، بنحوه، وهو أشبه بالصحة، والله أعلم.
وقوله: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} أي: عطاشا.
{لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ} أي: ليس لهم من يشفع لهم، كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض، كما قال تعالى مخبرًا عنهم: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [الشعراء: 100، 101]
وقوله: {إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا}: هذا استثناء منقطع، بمعنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدًا، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بحقها.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} قال: العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله، عز وجل.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عثمان بن خالد الواسطي، حدثنا محمد بن الحسن الواسطي، عن المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن أبي فاخِتَةَ، عن الأسود بن يزيد قال: قرأ عبد الله- يعني ابن مسعود- هذه الآية: {إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} ثم قال: اتخذوا عند الله عهدًا، فإن الله يقول يوم القيامة: «من كان له عند الله عهد فليقم» قالوا: يا أبا عبد الرحمن، فَعلمنا. قال: قولوا: اللهم، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أنك إن تكلني إلى عمل تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهدًا تُؤدّيه إلي يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد.
قال المسعودي: فحدثني زكريا، عن القاسم بن عبد الرحمن، أخبرنا ابن مسعود: وكان يُلْحِقُ بهن: خائفًا مستجيرًا مستغفرًا، راهبًا راغبًا إليك.
ثم رواه من وجه آخر، عن المسعودي، بنحوه.